ناصر بن الحسن الشريف الكيلاني
510
مجمع البحرين في شرح الفصين ( حكم الفصوص وحكم الفتوحات لابن عربي )
إلا أن بعض أهل النظر من أصحاب العقول الضعيفة يرون أن اللّه لما ثبت عندهم أنه فعال لما يشاء ، جوزوا على اللّه ما يناقض الحكمة وما هو الأمر عليه في نفسه . ولهذا عدل بعض النظار إلى نفي الإمكان وإثبات الوجوب بالذات وبالغير . والمحقق يثبت الإمكان ويعرف حضرته ، والممكن وما هو الممكن . ومن أين هو ممكن وهو بعينه واجب بالغير ؛ ومن أين صح عليه اسم الغير الذي اقتضى له الوجوب ولا يعلم هذا التفصيل إلا العلماء باللّه خاصة ] . قال الشارح رضي اللّه عنه : ( فمن عرف استعداده عرف قبوله ) ، فإن العلم بالعلة من حيث أنها علة يوجب العلم بالمعلول ، كما يظهر في باب التضايف ، فهو ممن عرف القبول بالاستعداد ، لا من الذي عرف الاستعداد بالقبول ؛ لأنه دونه . ( وما كل من عرف قبوله يعرف استعداده ) ، بل ولا يعلم ذلك الاستعداد : ( إلا بعد القبول ) ؛ حيث رأى أنه قبل ذلك ، فعرف أن لولا الاستعداد ما قبل ذلك . ( وإن كان يعرفه ) : أي الاستعداد ( مجملا ) ، فالأول صاحب العلم التفصيلي بالاستعدادات التفصيليّة ، والثاني صاحب العلم الإجمالي بها ، وأين هذا من هذا ، بل الأول أتم وأعم ما يكون في معرفة الاستعدادات في صنعه ؛ لأنه مطّلع على غيبه بعثوره على عينه ، بل هو مشرف على أحكام أعيان غيره وأحواله ، فافهم . فلما قرأ الاقتضاءات ذاتية ، والطلبات والمنح النفثية نفسية علم أن اللّه فعال لما يريد ، وما يريد إلا ما يريد المريد . قال اللّه تعالى : وَرَبُّكَ يَخْلُقُ ما يَشاءُ وَيَخْتارُ ما كانَ لَهُمُ الْخِيَرَةُ [ القصص : 68 ] . وقال تعالى : إِنَّ اللَّهَ لا يُغَيِّرُ ما بِقَوْمٍ حَتَّى يُغَيِّرُوا ما بِأَنْفُسِهِمْ وَإِذا أَرادَ اللَّهُ بِقَوْمٍ سُوْءاً فَلا مَرَدَّ لَهُ وَما لَهُمْ مِنْ دُونِهِ مِنْ والٍ [ الرعد : 11 ] .